المؤتمر الدولي “التصنيع والتنمية المستدامة”

محاور استراتيجية لبناء مصر الصناعية الحديثة            5-6 مايو 2018

أ.د.مهندس /أحمد حسن مأمون

تمتلك مصر قدرات وإمكانيات قوية ولكنها غير مستغلة. هي إما خاملة أو مهدرة أو تعاني من عيوب جسيمة تحد من فاعليتها. كما أنها تفتقر الي قدرات جوهرية ولكنها غائبة. تستهدف المحاور الإستراتيجية الأربعة تفعيل هذه القوي والإعتماد عليها. تبدأ مسيرة التنمية والتقدم. نسلك الطريق لبناء الدولة الصناعية خلال عشرين عاما. تحدث طفرة تنموية تحقق تغيرا في الدولة والمجتمع وتقضي علي الركود الاقتصادي والبطالة  خلال الثلاث سنوات الأولي.

يتحقق الهدف بالإعتماد علي الذات بمشاركة المواطنين ومؤسسات للدولة للعمل معا لبناء القدرات التكنولوجية والصناعية والإقتصادية. تعتمد الاستراتيجية أربعة محاور تحدد الإتجاهات الرئيسية بدءا من الواقع الحالي. يستهدف المحور الأول والثاني إصلاح وتفعيل مصدرين للقوة تمتلكهما مصر بهما عيوب جسيمة.  هما القدرة الصناعية الحالية والقوي البشرية . المحوران الثالث والرابع يستهدفان تكوين مصدرين للقوة لم تكونا متاحين من قبل. هما التكنولوجيا الوطنية والطاقة الشمسية.

يعالج المحور الاول عيب رئيسي بالصناعة تسبب في الحال المتردي الحالي. فقد بدأت الصناعة في مصر منذ 200 عام في عصر محمد علي. في نفس التوقيت الذي بدأت فيه اليابان . والفرق واضح بين الحالتين. إستمر ذلك العيب حتي الآن . فالصناعة المصرية  خالية من مقوماتها الرئيسية. فقد أنشأها المستثمرون الأوروبيون كمجرد وحدات انتاجية تعتمد إعتمادا كليا علي التكنولوجيا وخطوط الإنتاج الأوروبية. وخلت الشركات الصناعية من مقوماتها الأساسية فلا يوجد بها تصميم للعمليات والمنتجات الصناعية ولا بحث أو تطوير أو ابتكار. أصبحت جميع الحلول تأتي مباشرة بإستيرادها من الخارج إو بالاستعانة بخبير أجنبي . وإستمر هذا الوضع بعد دخول المستثمرين المصرين أيضا وإستقرت هذه المفاهيم في وجدان وأسلوب عمل رجال الصناعة حتي الآن. ذلك هو العيب الجسيم الذي اصاب الصناعة منذ نشأتها حتي الأن. إنه السبب الرئيسي في إختلاف الحال بيننا وبين اليابان. وللأسف أصاب هذا المفهوم أيضا العديد من االموظفين والمسؤولين.  ومع سرعة وتيرة التطور التكنولوجي العالمي فقدت الصناعة القدرة علي التطور ومنافسة الآخرين. وأصبحت في مأزق وأغلقت العديد من المصانع . سيطرت الصناعات الأجنبية على الأسواق المحلية علاوة علي صعوبة التصدير. أصابنا الركود ولا يمكن أن يحدث التغيير تلقائيا. يلزم تدخل الدولة لتغيير المفاهيم السائدة. وإتخاذ الاجراءات والنظم والحوافز التى تستهدف إدخال تغييرات جذرية لتصحيح بنية وهيكلة الصناعة المصرية  ولتشجيع مشروعات التطوير والإعتماد علي التكنولوجيا الوطنية وتصميم وإنشاء خطوط الإنتاج. الآليات الحافزة متنوعة إبتداء بالقوانين والنظم وإنشاء صناديق تمويل لدعم التصميم والبحث والتطوير والإبتكار. وتفضيل المشتريات الحكومية للمنتج الوطني وإقامة مشروعات قومية كبري لإنشاء مصانع كبري مثل مصانع أسمنت والسكر والسماد والبتروكيماويات والاليكترونيات..الخ لتكون نمازج عملية عن أهمية الإعتماد علي الذات وعلي قدرته علي تحقيق قيمة مضافة عليا ولتكون قاطرة للنمو الإقتصادي.

المحور الثاني هو القوي البشرية . تمتلك مصر رصيدا كبيرا من الموارد البشرية غير الفاعلة. فلدينا 700 ألف مهندس. بينما لم يكن لدي كوريا سوي 500 مهندس عند بدء نهضتها. المشكلة هي أنه بمجرد الحديث عن القوي البشرية  سنتصور أن  العلاج هو التعليم والتدريب. وبالرغم من أن هذا صحيح وضروري الا أنه ليس كافيا. فإن المؤسسات التي يعملون بها بعد تدريبهم غير قابلة للتغيير والتطوير. هي مؤسسات ذات ثقافة  قائمة علي الجمود. وللأسف يشكل مئات الألوف من المهندسين طاقة كبري مهدرة وغير مستغلة. فهم يعملون في الصيانة والتشغيل فقط وهي أمور لم يدرسونها أصلا في الجامعة. فهم يتعلمون العلوم والمناهج المطبقة فى جميع جامعات العالم ولكنهم لا يستخدمونها وتذهب هباءا. يعود السبب الي الصناعة التي لا تمارس الهندسة,التصميم والبحث والتطوير. لا يعمل بها المهندسون الا في الصيانة والتشغيل. مثلهم مثل دولة يتخرج فيها الأطباء ثم يعملون في التمريض. هل هذا أمر يقبله العقل. اليس ذلك ما يحدث لغالبية المهندسين. علينا إيقاف هذا الإهدار لأهم مواردنا البشرية. علينا إستخدام هؤلاء المهندسين والأساتذة للعمل في مهنة الهندسة  فتتضاعف قيمة الناتج الصناعي عشرات وربما مئات المرات. بذلك يتحول 700 ألف مهندس الي طاقة إقتصادية هائلة تقدر ب 100 مليار دولار سنويا (تم حسابها بإستخدام معدلات نمطية). يلزم قيام الدولة بمعالجة هذا القصور بإتخاذ اجراءات وقوانين وآليات عديدة داعمة للهندسة والتصميم والبحث والتطوير والإبتكار لتحقق قيما مضافة بمئات المليارات من الدولار. فينشط الاستثمار الصناعي المحلي ونقضي علي الركود الإقتصادي. ويصبح جاذبا للاستثمار الأجنبي.

   يتضمن هذا المحور أيضا مشروع التعاقد الذاتي freelancer  ليحقق 30 مليار دولار سنويا والقضاء علي بطالة 2 مليون مواطن  يعملون بالتعاقد الذاتي من منازلهم في أعمال ومشروعات متاحة علي  الانترنت من مختلف أنحاء العالم. إنه مجال واسع به 55 تخصصا بدءا من برمجة الكمبيوتر حتي أبسطها. إنه الثورة الرقمية. ويبلغ هذا النشاط ثلاثة ترليون دولار. وتحقق الهند 400 مليار دولار سنويا من 15 مليون مواطن. المشروع هو إنشاء هيئة قومية لرعاية هذا النشاط.

كذلك تمثل الموارد البشرية من الفنيين والعمال والمهندسين شرطا رئيسيا لجذب الإستثمار الأجنبي ويمكننا تنمية قدراتها وتحسين أدائها في فترة وجيزة. بالاستعانة بالامكانيات الحديثة للكمبيوتر والاتصالات. وتعلم اللغة الإنجليزية.

المحور الثالث وهو بناء التكنولوجيا الوطنية . وهى الركيزة الرئيسية الذي تقوم عليها الدول الحديثة. إنها الدعامة الرئيسية للتقدم. إنها الطريق الي التقدم والرخاء. يتصور البعض أن التكنولوجيا هي الكمبيوتر وشبكة التواصل. بينما هي شيئ آخر  فهي تدخل في كافة المنتجات. إنها القدرة علي إستخدام منجزات العلم لخلق وإبتكار منتجات ذات قيمة مضافة عالية مثل السيارة التي يصل سعرها الي مليون جنيه بينما يقدر سعر الخامات بها 20 ألف جنيه. ومثال أخر عن إستيراد أدوية ضغط  بمليار جنيه بينما لا يتعدي سعر المادة الخام بها المليون جنيه. الفرق الهائل بين المنتج والخام هو نتيجة المعرفة والتكنولوجيا الموجودة في كل نقطة دواء. بذلك تتضاعف قيمة الأشياء وتنشط الأعمال ويتغير المجتمع. فرق جوهري جعل الدول الفقيرة  تصدر الخامات والمواد الأولية لعدم قدرتها على تصنيعها ولذلك ستبقي دولا فقيرة . وللأسف تعاني مصر أيضا من هذه المشكلة  فأن غالبية الصادرات الصناعية هي مواد أولية…!!

البداية هي بناء التكنولوجيا الوطنية. إنها مسؤولية قيادات الدولة. يجب أن تكون هدفا إستراتيجيا تعبأ له قوي المجتمع . سنسير في نفس الطريق الذي سلكته جميع الدول الصناعية الحديثة وهو من ثلاث مراحل فنبدأ بتقليد التكنولوجيا بالهندسة العكسية. وهي عملية لها إجراءات وأساليب خاصة. ثم مرحلة استيعاب التكنولوجيا وأخيرا مرحلة إبتكار التكنولوجيا. عندئذ نصبح إحدي دول الصناعية ونشترك معا في المشروعات والأنشطة الكونية التي تمارسها الشركات العالمية العابرة للقارات.

المحور الرابع هو الطاقة الشمسية. وهي نعمة كبري بعثها الله الينا لتكون موردا طبيعيا وماليا لا نهاية له. وبها ثلاث مزايا إستراتيجية كبري. من الخطأ التعامل مع الطاقة الشمسية بإعتبارها مجرد مصدر بديل لتوليد الكهرباء كما يتبادر للأذهان لأول وهلة . إنها أكبر وأعظم من ذلك. فإن الميزة الكبري هي التكنولوجيا المستخدمة لتوليد الكهرباء. فهي غير معقدة ولاتحتاج لماكينات وتربينات وغلايات ومولدات ضخمة يلزم إستيرادها. بذلك أصبحت الصناعة المصرية قادرة علي صناعة جميع المكونات مما يحقق إنطلاقة كبري للصناعة والإقتصاد القومي. الميزة الثالثة هي أن السوق هو السوق المصري بلا منافسة مما يشكل قاطرة مضمونة دافعة للإقتصاد. فإن الكهرباء المولدة يشتريها المستهلك بالجنيه المصري والنتيجة هي الإستغناء عن إستيراد البترول اللازم للمحطات الحرارية.  يستهدف  مقترح المشروع القومي لتوليد الكهرباء بالطاقة الشمسية بالإعتماد علي الصناعة المصرية  إقامة قدرة إجمالية تساوي مائة ألف ميجاوات. يحقق دخلا سنويا 30 مليار دولار وإستغناء عن إستيراد 40 مليون طن بترول بمبلغ 12 مليار دولار/ السنة وإنتاج صناعي وطني إجمالي مقداره 100 مليار دولار. تكلفة المشروع 10 مليار دولار فقط . تستخدم لإقامة مصانع لتصنيع مكونات محطات الطاقة الشمسية ويشترك في الإستثمار والتنفيذ مئات الآلاف من المواطنين. المشروع به ميزة فريدة أخري وهي تحقيق عائد فوري يتزايد سنويا طوال فترة إنشاء المشروع. ويبلغ العائد في السنة الثانية 1.6 مليار دولار ويتزايد في السنة التالية ليصبح 3.2 مليار وفي السنة الخامسة يصل الي 8 مليار دولار ويستمر في الزيادة طوال سنوات بناء المشروع حتي يصل في السنة العاشرة الي الطاقة الكاملة ويصبح العائد 30 مليار دولار سنويا. يشترط لنجاح المشروع أن نقوم بالتصنيع بالكامل إبتداءا من صناعة بللورات السيليكون والخلايا الشمسية من الرمال حتي المنتج النهائي. تشترك الصناعات المصرية أيضا بالصناعات المغذية التحويلية والهندسية والكيميائية والكهربائية. وهكذا تصبح قيمة الإنتاج الصناعي 100 مليار دولار قوة دافعة للاقتصاد وتستمر المصانع في الإنتاج والتصدير والنمو. علينا بالتحذير من إستمرار إستيراد المكونات واللوحات الشمسية والا أصبحت عبئا علي الإقتصاد  ب 100 مليار دولار بدلا من دعامة له. كذلك يجب منع الإستثمار الأجنبي من إقامة مشروعات توليد الكهرباء ليبيعها للمستهك الوطني. علينا التصدي لمغالطات أصحاب المصالح المرتبطة مع مصالح شركات العولمة والبدئ في المشروع فورا فالعديد من الدول تتسابق. الهند وإيران لديهما مشاريع بقدرة 100 جيجا والسعودية 200 جيجا والصين أضعاف ذلك.الخ يجب تصحيح نظام الحوافز ليصبح لصالح استثمار المواطن الصغير فيحقق عائدا 30% سنويا فيفتح المجال لمئات الألوف المواطنين مما يؤدي الي مشاركة ونموا في الأعمال يحقق مزيدا من الإستقرار السياسي والإقتصادي. الإدعاء بمشاكل تخزين الكهرباء خاطئة وهي لم تكن عائقا لأي دولة؟؟؟؟ فقد تضاعفت قدرة التخزين علاوة علي زيادة كفاءة اللوحات الشمسية. ولا يزال التطور مستمرا.-  لقد تغير شكل العالم. علينا اللحاق والإشتراك فيه. فنحن مؤهلين لنكون من الرواد فيه بالبحث والتطوير و الصناعة وبالمشروعات العملاقة لتعمير الصحراء وتحلية المياه . والتصدير.

الخلاصة:-

تحقق الإستراتيجية بناء الدولة الصناعية الحديثة في 20 عاما فيتضاعف الدخل القومي ستة مرات ليصل الي 1800مليار دولار ونقضي علي الفقر إبتداءا من السنة الثالثة . نقضي علي عقبات وعيوب مزمنة. نكتسب قدرات جديدة. يتغير شكل المجتمع. نقضي علي حالة الركود السائدة. ينتعش الإقتصاد. يزداد الإنتماء وينحسر الفساد. تنطلق كافة القطاعات  لتحقيق هدف واحد مشترك لبناء الدولة الصناعية الحديثة . ينهزم الإرهاب فلا مجال له الآن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *